خلال الشهرين الماضيين صدرت دراستان حول موضوع واحد، الأولى في الولايات المتحدة وتقول إن واحدا من بين كل ستة أطفال في الولايات المتحدة يتعرض للتحرش الجنسي (وكالات الأنباء 25 مايو 2010)، أما الدراسة الثانية فقد أجرتها الدكتورة نورة الصويان مديرة برنامج الأمان الأسري في مستشفى الحرس الوطني كشفت فيها أن واحدا من كل أربعة أطفال في السعودية يتعرض للتحرش الجنسي (صحيفة الجزيرة 12 يونيو 2010).. وهنا يتضح أن الأطفال الذين قد يتعرضون لخطر التحرش الجنسي في الولايات المتحدة أقل بكثير من نظرائهم في السعودية!. أعلم أن مثل هذه النتيجة تشكل صدمة لكل من يظن أنه يعيش في مجتمع فاضل ويرى في الوقت ذاته أن المجتمع الأمريكي متجرد من القيم الأخلاقية، لذلك فإنه سوف يكذبها أو يشكك في مصداقية الباحثين الذين أجروا هذه الدراسة أو تلك، فهذا بالنسبة للحالمين أسهل بكثير من التنازل عن مشروعهم الخيالي الذي يتلخص في تكريس صورة المجتمع المثالي الخالي من الأخطاء الذي تتمنى جميع مجتمعات الأرض أن تكون مثله!. ولأن مخاطبة الفئات (الخيالية) أمر غير مفيد فإننا سوف نتوجه بحديثنا هذا إلى الواقعيين من بني قومنا لنطلق صرخة التحذير، ونؤكد لهم أن هذه النسبة سوف تنخفض في الولايات المتحدة مع مرور السنوات بينما سوف تزداد في بلادنا لأسباب تتعلق بكيفية معالجة مشكلة التحرش الجنسي بالأطفال في كل بلد على حدة. من الناحية القانونية، يعتبر التحرش الجنسي جريمة نكراء في الولايات المتحدة، أما عندنا فهو يعتبر خطأ لا يكتسب شكل الجريمة النكراء إلا إذا تبعه اعتداء جنسي واضح، أما المتحرش الجنسي بالأطفال فيعتبر في الولايات المتحدة شخصا خطيرا على المجتمع ويوضع تحت الرقابة لسنوات، بينما يعتبر المتحرش بالأطفال عندنا شخصا ارتكب خطأ عابرا ولا يمكن استدعاؤه للشرطة إلا إذا ارتكب خطأ جديدا، وفي الولايات المتحدة ثمة تفصيل قانوني دقيق لأنواع التحرش الجنسي، فحتى إطلاع الأطفال على صور خليعة أو الحديث معهم في الأمور الجنسية يعتبر تحرشا صريحا، أما عندنا فإن تعريف التحرش في غالب الأحوال يرتبط بالفعل الجنسي المباشر. ومن الناحية الاجتماعية، يعتبر الاعتراف بالتحرش الجنسي والإبلاغ عنه واجبا قانونيا وإنسانيا على الأبوين في الولايات المتحدة لذلك يدربان أولادهما على إبلاغهما بأية معلومات قد تتعلق بهذا الأمر، ولا يجدان أي حرج في إبلاغ الجهات المختصة فورا عند حدوث أدنى تحرش، أما عندنا فإن الاعتراف بالتحرش الجنسي يدخل الوالدين وابنهما في دائرة العيب والشعور بالعار لذلك يحرصان على إخفاء الموضوع ما لم يصل إلى حد الاعتداء المباشر. باختصار، يستطيع الأمريكان ــ أفرادا ومؤسسات ــ مواجهة هذه المشكلة لأنهم يدركون أنهم بشر وحياتهم مليئة بالمشاكل، بينما لن نستطيع نحن ــ أفرادا أو مؤسسات ــ مواجهة هذه المشكلة لأننا مضطرون دائما للدفاع عن فكرة خيالية مفادها أننا أنقى مجتمع على وجه الأرض!.